محمد عبد المنعم خفاجي
138
الأزهر في ألف عام
والموت يغلب النوم » . ومثل قولهم : « العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا . والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما » الخ . . وبعد فما تاريخ هذه الأغنية ومن واضعها ؟ لا بد أن يكون فيلسوفا أو حكيما بعيد النظر . ومما يؤسف له أن هذه الأغاني والأزجال والمواويل لم يعن بها عناية الأدب الأرستقراطي . فبينا يعني العلماء والأدباء بنسبة بيت الشعر إلى قائله . والقصيدة إلى منشئها . ويحتدم بينهم القتال على ذلك . إذ بنا لا نجد هذه العناية ولا بعضها في الأغاني والأزجال الشعبية . وهذا نوع مما أصاب الأدب الشعبي من الظلم . وكم أصابه من أنواع ! وها هي ذي الأغاني التي تخترع في عصرنا نجدها على الأفواه ونستعذبها ، وتهش لها نفوسنا . ولا نكلف أنفسنا مؤنة البحث عن منشئها ولكن من حسن حظ هذه الأغنية أو من حسن حظنا نحن ، أننا نجد ظلا لتاريخها فقد ذكرها الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة 1143 هجرية . فيكون عمرها أكثر من قرنين وربع وظلت الأجيال تتعاقبها إلى يومنا . ويظهر من كلام الجبرتي أن واضعها عالم كبير جليل من أكابر علماء الأزهر في القرن الثاني عشر . هو الشيخ الحفناوي أو الحفني ، كان سيد الأزهر في أيامه ، له حلقات الدروس الحافلة بنوابغ الطلبة ، يقرأ فيها أغوص الكتب وأصعبها ، كجمع الجوامع والأشموني وحاشية السعد ، وله التآليف الكثيرة في البلاغة والميراث والجبر والمقابلة . كما كان بيته ساحة كرم يغشاه أعيان مصر وعلماؤها وأدباؤها ، ويلجأ إليه الفقراء وذوو الحاجات وكان راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الأردب ، وطاحون بيته دائر ليل نهار ، ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون ، إلى هيبة ووقار ، حتى يهاب العلماء سؤاله لجلاله . وهو مع هذا كله ظريف أديب ، سمع تلميذا له يوما يقول : قالوا تحب المدمس ؟ قلت بالزيت حار * والعيش الأبيض تحبه ؟ قلت والكشكار